صوم التطوع

منزلة التطوع وثمرته
العبادة المطلوبة مستويان:
مستوى الفرض:
الذي يلزم به كل مكلف ولا يقبل منه التكاسل أو التفريط فيه وإذا تكاسل أو فرط فيه يأثم في الدنيا ويعاقب في الآخرة وهو يمثل الحد الأدنى المطلوب من المسلم.
وذلك يتمثل في الصلوات الخمس،وصيام رمضان ،والزكاة،والحج مرة واحدة في العمر، والفرد إذا أدى الفرض مستوفي الأركان والشروط فقد أبرأ ذمته وأسقط الإثم عنه فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن أعرابياً أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله، دلني على عمل إذا عملته دخلت الجنة قال: تعبد الله لا تشرك به شيئاً وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة المفروضة وتصوم رمضان قال والذي نفسي بيده لا أزيد على هذا، فلما ولي قال النبي صلى الله عليه وسلم “من سره أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى هذا” متفق عليه. هذا هو الفرض.
والمستوى الآخر هو مستوى (التطوع):
وهو ما طلبه الشرع من المكلف طلب ندب واستحباب لا طلب إيجاب وإلزام وهذا التطوع المستحب_ وإن لم يكن واجباً ولا فرضاً على المسلم – له ثماره الطيبة.
من هذه الثمار:
1- أن يجبر ما عسى أن يكون في أداء الفرض من خلل أو تقصير ولهذا جاء في الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: “قال رسول الله صلى الله عليه وسلم “إن أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة من عمله صلاته، فإن صلحت فقد أفلح وأنجح، وإن فسدت فقد خاب وخسر، فإن انتقص من فريضته شيئاً، قال الرب عز وجل: انظروا هل لعبدي من تطوع، فيكمل منها ما انتقص من الفريضة” رواه الترمذي.
2- أنه رصيد احتياطي يواجه به المكلف الخسائر الناجمة عن ارتكاب السيئات.
3- أنه يهيئ المسلم للترقي في درجات القرب من الله تعالى حتى يصل إلى درجة الحب من الله عز وجل كما جاء في الحديث القدسي.
من أجل ذلك فتح الإسلام باب التطوع لأرباب الهمم والعزائم ليأخذ كل بحظه منها تبعاً لمدى طموحه وأشواقه إلى ما عند الله تعالى وذلك في العبادات كلها ومنها الصيام.
صيام الست من شوال
حث النبيّ صلى الله عليه وسلم على إتْباع صيام رمضان بست من شوال فقد روي عنه أبو أيوب الأنصاري “من صام رمضان ثم أتبعه ستاً من شوال فكأنما صام الدهر كله” رواه الجماعة إلا البخاري والنسائي،
والمراد بالدهر السنة.
وقد جاء تفسير ذلك في حديث آخر يقول “من صام رمضان فشهره بعشرة ومن صام ستة أيام بعد الفطر فذلك صيام السنة” رواه أحمد والنسائي.
ويجوز أن يصومها الإنسان متتابعة أو متفرقة والأفضل أن تكون متتابعة من ثاني أيام عيد الفطر.
صيام تسع ذي الحجة وخاصة يوم عرفة
شهر ذي الحجة من الأشهر الحرم الأربعة ومن أشهر الحج المعلومات وأيامه العشرة الأولى هي أفضل أيام العام كما جاء في الحديث عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال “ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام يعني الأيام العشر- قالوا ولا الجهاد في سبيل الله قال ولا الجهاد في سبيل الله إلا أن يخرج الرجل بنفسه وماله فلا يرجع بشيء من ذلك” رواه البخاري وأبو داود والصيام في هذه الأيام العشرة من أعظم ما يتقرب به المسلم إلى ربه (ما عدا يوم العيد) وأفضلها هو يوم عرفة وهو اليوم التاسع الذي يكون فيه الحجاج واقفين على عرفات بملابس الإحرام التي تشبه أكفان الموتى متجردين لله متفرغين له، فالحجاج يتقربون إلى الله هناك بالإحرام والتلبية والدعاء وغيرهم في ديار المسلمين يتقربون إلى الله بالصيام في هذا اليوم. سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن صوم يوم عرفة قال “يكفر السنة الماضية والباقية” رواه مسلم وغيره عن أبي قتادة.
صيام يوم عاشوراء
عاشوراء هو اليوم العاشر من شهر المحرم ،وتاسوعاء هو اليوم التاسع من شهر المحرم ويبدو من مجموع الأخبار أن صيام يوم عاشوراء كان معروفاً من قبل.
فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال لما قدم النبيّ صلى الله عليه وسلم (أي المدينة) فرأى اليهود تصوم عاشوراء فقال ما هذا؟ قالوا يوم صالح نجى الله فيه موسى وبني إسرائيل من عدوهم فصامه موسى فقال “أنا أحق بموسى منكم” فصامه وأمر بصيامه، متفق عليه.
ولما كان النبي صلى الله عليه وسلم حريصاً على تميز الشخصية الإسلامية في كل شئ وأن يكون للمسلمين استقلالهم عن غيرهم حث على صيام اليوم التاسع مع العاشر ليتميز صيامهم عن صيام أهل الكتاب. فعن ابن عباس قال لما صام رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم عاشوراء وأمر بصيامه، قالوا يا رسول الله، إنه يوم تعظمه اليهود والنصارى فقال: “فإذا كان في العام المقبل إن شاء الله صمنا اليوم التاسع”. قال فلم يأت العام المقبل حتى توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم.رواه مسلم وأبو داود.
ولم يرد في شأن عاشوراء إلا الصيام فما أحدثه بعض الناس من التزين والاغتسال والاكتحال والتوسعة واتخاذه موسماً تذبح فيه الذبائح، كل هذا مما لا أصل له في دين الله، ولا يدل عليه دليل.
الإكثار من الصوم في شعبان
يستحب الصيام في شهر شعبان، استعداداً لرمضان واقتداءً بالنبيّ صلى الله عليه وسلم فقد قالت عائشة “ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم استكمل صيام شهر إلا رمضان، وما رأيته في شهر أكثر منه صياماً في شعبان” رواه البخاري ومسلم.
والسر في اهتمامه بصيام شعبان جاء في حديث رواه النسائي عن أسامة بن زيد: قال: قلت يا رسول الله لم أرك تصوم من شهر من الشهور ما تصوم من شعبان قال “ذاك شهر يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان وهو شهر ترفع فيه الأعمال إلى رب العالمين وأحب أن يرفع عملي وأنا صائم”
صوم الأشهر الحرم
الأشهر الحرم: ذو القعدة- ذو الحجة- المحرم- رجب” ثلاثة سرد وواحد فرد، ويستحب الإكثار من الصيام فيها.
ففي حديث مجيبة الباهلية عن أبيها أو عمها أنه أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم انطلق فأتاه بعد سنة وقد تغيرت حالته وهيئته فقال: يا رسول الله أما تعرفني؟، قال: ومن أنت؟ قال: أنا الباهلي الذي جئتك عام الأول قال فما غيّرك وقد كنت حسن الهيئة “قال ما أكلت طعاماً إلا بليل منذ فارقتك فقال: رسول الله صلى الله عليه وسلم “لم عذبت نفسك” ثم قال “صم شهر الصبر ويوماً من كل شهر”. قال: زدني فإن بي قوة قال:”صم يومين” قال: زدني قال: “صم ثلاثة أيام” قال: زدني قال: “صم من الحرم واترك، صم من الحرم واترك” وقال بأصابعه الثلاثة فضمها ثم أرسلها” رواه أحمد وأبو داود وابن ماجة.
وأولى الأشهر الحرم بالصيام هو شهر المحرم فقد صح في الحديث “أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم وأفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل” رواة مسلم.
صيام ثلاثة أيام من كل شهر
ومن الصيام المستحب صيام ثلاثة أيام من كل شهر، وذلك أن الله جعل الحسنة بعشر أمثالها فثلاثة أيام من كل شهر فكأنها الشهر كله، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يصومها ويحضُ على صيامها.
ففي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه “أوصاني خليلي صلى الله عليه وسلم بثلاث، لا أدعهن حتى أموت صوم ثلاثة أيام من كل شهر، وصلاة الضحى ونوم على وتر” متفق عليه.
والأفضل أن تكون الثلاثة البيض، لما روي عن أبي ذر “من كان منكم صائماً من الشهر ثلاثة أيام فليصم الثلاثة البيض”.
صيام الاثنين والخميس
من الأيام التي يستحب الصيام فيها الإثنين والخميس من كل أسبوع فقد كان النبيّ صلى الله عليه وسلم يتحرى صيامهما فقد رُوي أن أسامة بن زيد سأل النبيّ صلى الله عليه وسلم عن سر الحرص على صيامهما فقال “ذانك يومان تعرض فيهما الأعمال على ربّ العالمين وأحب أن يعرض عملي وأنا صائم” رواه أبو داود.
صيام يوم وإفطار يوم
أفضل الصيام وأحبه إلى الله صوم يوم وفطر يوم لمن لا يشق عليه ذلك وهو صيام نبيّ الله دواد عليه السلام، وقد رغب فيه النبيّ صلى الله عليه وسلم حيث قال “صم صوم نبي الله داود ولا تزد عليه” قلت يا رسول الله وما كان صيام داود عليه السلام؟ قال “كان يصوم يوماً ويفطر يوماً”. رواه أحمد وغيره.